فلسفة الخطأ الإنساني

محمد لفتة محل ،،

من منا من لا يخطئ؟ هل يستطيع أحد أن يدعي أنه لا يخطئ طوال حياته؟ دون أن ننتقده أو نسخر منه؟ ونحن نرى يوميا في حياتنا أخطاء الآخرين وأخطائنا مهما تقدمنا بالعمر وبالخبرة، أنا شخصيا حياتي لا بأس بها لأني ارتكبت أخطاء كثيرة وتعلمت منها الصواب وسأبقى ارتكب أخطاء جديدة لأتعلم أكثر، ذلك لان الحياة متغيرة لدرجة يصعب معها وضع قاعدة عامة تحصننا من الخطأ، والخطأ ينسحب على مستوى مجتمعات ودول فكيف بالفرد؟ والخطأ هنا ليس الأمور التافه التي لا يدركها الأحمق أو الطفل وإنما الأمور التي تباغتنا دون أن نقيم لها حسابا أو سهوا أو تحت تأثير نفسي معين، أو لأنها جديدة علينا أو مغامرة، فالخبرة تستطيع التقليل من الأخطاء لكنها لا تلغيها أبدا، مع ذلك يعتبر المجتمع العراقي الخطأ كعيب وانتقاص من شخصية ألإنسان ومن أصعب الأمور على العراقي هو اعترافه بالخطأ؟ لذلك يكابر اغلب الناس عن الاعتراف بأخطائهم، ويستخدمون عبارة (حشاك من الخطأ) لتنبيه الآخر بخطئه باحترام دون جرح مشاعره، وكأن الخطأ فعل طارئ على الإنسان، ويعتقدون أن الخطأ لا يمكن أن يرتكبه الكبير في السن ورجال الدين! في حين أن الخطأ والصواب عملية جدلية تأتي من التجربة والممارسة الحياتية والتعلم، وإنه لولا الخطأ لما عُرف الصواب، وهناك مقولتان بليغتان جدا تعبر عن قيمة الخطأ (من لم يخطئ لن يصيب) و (من لا يعمل لن يخطئ) ومرة سمعت قصة إن مخترع ما وربما هو المخترع الأمريكي (توماس اديسن)، بعد يوم من التجارب الفاشلة قرر تأجيل العمل إلى الغد، فقال مساعده له (إنه يوم فاشل) رد علية المخترع: ليس يوم فاشلا، لأننا سنبدأ غدا من التجارب التي لم نجربها اليوم، هذا مثال على أهمية الخطأ في اكتشاف الصواب، بل هو ميزة الإنسان عن الحيوان فالتعلم والتجربة ميزة إنسانية، فيجب علينا أن نخطئ لنتعلم، فالشجاعة تقتضي مواجهة الأخطاء، والجبن هو في عدم مواجهتها، أو إنابتها لشخص آخر نحمله مسؤولية خطئنا أو نحملها لأشياء أسطورية كالحض والشيطان والسحر والقدر! والخطأ ليس نهاية المطاف، فأي خطوة أو مشروع محفوفة بالأخطاء يتم التعلم منها للوصول للصواب الذي ينجح المشروع، والأخطاء تصل على مستوى علماء ف(كولومبس) مكتشف أمريكا اعتقد أن القارة التي وصل إليها هي الهند! والمخترع الأمريكي (توماس اديسن) ظل يصر على إن التيار المستمر أفضل من التيار المتناوب الذي تعتمده حضارتنا، والفيزيائي الألماني (ألبرت اينشتين) كان يعتقد إن نظرية الكم هي نظرية خاطئة، في حين حققت هذه النظرية انجازات عالمية في الصناعات الالكترونية، ومؤسس التحليل النفسي عالم النفس الألماني (سيغموند فرويد) اخطأ كثيرا حين اختار العالم السويسري (كارل يونج) خليفة له في التحليل النفسي الذي كان من الأوائل الذي انشق على مدرسة أستاذه! والأشخاص الذين لا يخطئون أبدا هم الأموات وحدهم، لان قانون الحياة هو التعلم عبر الخطأ والصواب الذي انتهجه الإنسان في بداياته ولا زال يتعلم مهما تقدم بالحضارة.
يتكلم البعض عن إن طريق الخطأ والصواب واضحة، وللفرد الحرية في اختيار احدهما، وكأن الخطأ لونه أسود، والصواب لونه أبيض، لأن العقل بحسب هذه النظرة هو الذي يقرر الاختيار؟ هذه الاختزالية التي تختصر الإنسان بعقله بدون محيطه ونفسيته التي تؤثر بعقله وإرادته وقراراته أكثر من تأثير الأخيرة بها، والحياة معقدة ومتغيرة لدرجة يصعب معرفة الأخطاء مسبقا بسبب تغير الظروف وحركة المجتمع وتطور وسائل التكنولوجيا. أن مسألة التمييز والاختيار بين الخطأ والصواب ليست بهذه السهولة والحرية في حال الاقتناع بهذه الفلسفة، فإرادة الإنسان كما أوضحت مقيدة بحتميات نفسية ومن ضمنها آلية التبرير التي تجعله يبرر أخطائه بدون إرادته إلا إذا أسعتان بالطبيب النفسي، كذلك أن القيم والعادات الاجتماعية تجعل كثير من الأخطاء مقبولة كالثأر، وضرب المرأة، واستبداد الرجل على أسرته، ومكابرة الرجل بالاعتراف بهزيمته أو جهله الخ، هي مقبولة اجتماعيا ما يجعل ممارستها شيء طبيعي، والخروج عنها يكون هو الخطأ في عرف المجتمع العربي!.
لكن هذا لا يعني إن كل خطأ يفضي حتما إلى الصواب فاستجابتنا للخطأ تتوقف على ذكائنا وخبرتنا والحالة النفسية والاجتماعية، وهذه العوامل متفاوتة بين الناس لهذا نرى أناس تكرر أخطائها وأناس لا تكرر أخطائها بسبب التفاوت في ظروفهم وقدراتهم العقلية.